أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

20

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

والتحقيق فيه إنك قد عرفت فيما ذكرناه من التحقيق ، أن في الانسان قوة جزئية محلها الدماغ ، من شأنها الادراك بالنظر ، وفيه قوة كلية محلها القلب الأول فاليقين بالمعنى الثاني حاصل فيه ، وهما مشتركان في معنى التصديق الجازم الثابت المطابق للواقع ؛ إلا أن الحاصل في القوة الجزئية - لتوقفه على التفات النفس إلى ذلك - ربما يسهى عنه ويغفل فلا يعمل بمقتضاه ، بخلاف الثاني فإنه الحاصل في النفس لا في الآية ، فلا يحتاج إلى التفات النفس إلى ذلك مثل احتياجه في الأول ، لأنه علم حضوري لا يغيب عن النفس ، فلا يغفل عنه أصلا لولا ملابسة الكدورات . فالادراكان المذكوران متحدان ، والتغاير بحسب المحل . ومن نظر إلى اتحادهما حقيقة يقول : الايمان لا يزيد ولا ينقص ؛ وما نظر إلى مغايرتهما بحسب المحل يقول بزيادته ونقصه ؛ إذ لا يخفى أن الإيمان الحاصل بطريق العلم الحضوري أقوى من الحاصل بطريق العلم الحصولي ، فاحفظ هذه الغاية لأنك قلما تجدها فيما عهدت من الكتب . ولذلك ترى أكثر المؤمنين - لاقتصارهم بالايمان على الطريق الأول - يغفلون عن كثير من أحكامه ؛ وأما الذين يكملونه على الطريق الثاني ترى فيهم الحياء والخوف والذل والاستكانة والخضوع ، وغير ذلك من الأوصاف المتشعبة من الايمان . ومنها : أن يكون العالم حزينا منكسرا مطرقا صامتا ، يظهر أثر الخشية على أحواله ، ويكون نظره مذكرا للّه تعالى والآخرة ، وتكون صورته دليلا على علمه ، فهم الذين سيماهم على وجوههم من أثر السجود . ومنها : أن يكون أكثر بحثه فيما يفسد من الأعمال ، وفيما يشوش القلوب ويشوش الوساوس ويثير الشره ، ولا يكون ممن يتبعون غرائب التعريفات في الحكومات والأقضية ، ويتغنون في وضع صور ينقضي الدهر ولا تقع أو تقع لغيره ، لأنه إذا وقعت وفي العالمين بها كثرة يكفون مئونته ؛ وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر ، ايثارا للقبول أو التقرب من الخلق على القرب من اللّه تعالى ، وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق ، وجزاؤه من اللّه تعالى أن لا ينتفع من الدنيا بقبول